النظرية البنائية

النظرية البنائية

Constructivisim theory

د. غسان يوسف قطيط

المرجع: الاستقصاء 2011 / دار وائل للنشر والتوزيع: عمان

تعود جذور البنائية إلى النظرية المعرفية، حيث تقوم البنائية على كيفية بناء المعرفة في الدماغ، وتهتم البنائية بالعمليات العقلية للفرد أثناء معالجته للمعرفة، وتقوم البنائية على أفكار بياجيه فيما يخص تنظيم المعرفة ومعالجتها.



      وتعتمد النظرية البنائية للمعرفة على أن الفرد يبني معرفته بنفسه من خلال مروره بخبرات كثيرة تؤدي إلى بناء المعرفة الذاتية في عقله، أي أن نمط المعرفة يعتمد على الفرد ذاته فما يتعلمه عن موضوع معين يختلف عن ما يتعلمه فرد آخر عن نفس الموضوع بسبب اختلاف الخبرات التي مر بها كل منهما، وما يمتلكه كل منهما مسبقا من خبرات عن الموضوع ( خريسات، 2007).



     ويرى غروثر(Growther, 1999) أن الفرد عندما يتعرض إلى خبرة جديدة فإنه يحاول أن يلائمها مع ذاته من خلال خبرة أو معرفة سابقة تعرض لها ، كما أن الفرد يبدأ بالتفكير  ومعالجة المعرفة بعد وصولها  له مباشرة، ويقوم بتصنيفها في عقله، وتبويبها، وربطها مع مشابهاتها إن وجدت، ويصبح ما تعلمه الطالب ذا معنى ومغزى وفي هذه اللحظة نقول بأن الفرد تعلم شيئا، وأصبح قادرا على استخدام هذه المعلومة في حياته أو قادرا على توليد معرفة جديدة ( أبو رياش، 2007).   

و تقوم النظرية البنائية على أفكار ومفاهيم النظرية المعرفية، وترتبط النظرية البنائية بالعديد من المفاهيم منها:

  • الاتزان: Equilibration التوازن بمفهومه العام، عملية تهدف إلى تكييف الطفل مع البيئة. فالتوازن عملية ذهنية معرفية تتوسط عمليتين متكاملتين هما عملية التمثل والمواءمة، وحتى يتم ذلك لا بدّ من وجود توازن بين الفرد والبيئة، وتعتبر عملية التوازن المعرفي هدف التطور المعرفي.
  • التنظيم: Organizing ترتيب الأفكار والسلوكيات في نظام مترابط ومتماسك وفق تراكيب ومبان صور ذهنية ( Schemes ) تمثل الأنظمة التي نستطيع من خلالها التفاعل مع العالم من حولنا.
  • التكيف: Adaptation نزعة الفرد نحو التكيف والتآلف مع البيئة التي يعيش فيها. ويقوم التكيف على عمليتين متكاملتين هما:
  • التمثيل: Assimilation فهم الأشياء الجديدة عن طريق ملائمتها مع معارفنا السابقة, واستعمال الصور الذهنية ( Schemes ) التي نمتلكها من اجل فهم الأحداث من حولنا.
  • المواءمة: Accommodation

تعديل تفكير الفرد حتى يتلاءم مع المعلومات الجديدة التي لا يستطيع تفسيرها أو تصنيفها في ضوء ما يعرفه, فيضطر إلى تغيير صورة ذهنية (Schemes) سابقة للاستجابة للموقف الجديد ( Salvin, 2000 ).

    وبالتالي فإن الخلاف بين النظريتين كبير حيث تطالب السلوكية المعلم بان يغرس التصرف والإجراء اللازم للحصول على المعرفة، بينما البنائية تطالب المعلم بأن يهيئ البيئة المعرفية اللازمة ويترك الطالب يبني سلوكه بنفسه. ويعتقد علماء المدرسة المعرفية  أن سيكولوجية المثير – والاستجابة لا تصلح لدراسة السلوك المعقد. وإن هذا الاتجاه يُغفل أن الإنسان يمكن أن يفكر ويخطط (قطامي ، 2002).  ويرى بياجيه أن الدماغ هو آلة التفكير، وأن معرفة ما يدور في الذهن وتمثيله يضيف بعداً كبيراً للنمو المعرفي عند الإنسان، وفهم آلياته الذهنية. ويعد علم النفس المعرفي علم فهم تفكير الإنسان، وأدواته، وأسباب اختلاف معالجاته الذهنية في المواقف البسيطة والمتطورة (Woolfolk,2001).



    ويتضمن الاهتمام بالنمو المعرفي من وجهة نظر بياجيه عاملين معرفيين هما:
  • البنية المعرفية Cognitive structure.
  • الوظائف الذهنية Mental functions. وسنقوم باستعراض العاملين السابقين كالآتي:

أولاً- البنية المعرفية:

    تعد البنية المعرفية حالة التفكير التي تسود ذهن المتعلم في مرحلة من مراحل النمو المعرفي. ويفترض أن هذه البنية تنمو وتتطور مع العمر عن طريق التفاعل مع الخبرات والمواقف؛ لأن الخبرة تتضمن التفاعل، ويترتب على ذلك أن الطفل كلما نما وتطور وتفاعل مع المواقف والخبرات أدى ذلك إلى تغير في حالة بنيته المعرفية (قطامي وقطامي، 2000).

    وتمثل البنى المعرفية للطفل استعدادات توجد لكل طفل، وهي بمثابة قوالب فارغة لدى الطفل الوليد، والطفل يقوم بملئها بخبرات ومعارف تشكل البنية المعرفية للطفل، فالأطفال الذين يمتلكون بنى خبراتية أكثر غناء وثراء يطورون ويولّدون معرفة وخبرات أكثر غناء، ويولّدون من المواقف التي يواجهونها حلولاً ومعالجات أكثر تقدميةً من أولئك الذين يعيشون وفق ظروف معرفية بيئية فقيرة (قطامي وقطامي، 2000).

ثانياً- الوظائف الذهنية:

    يتضمن هذا العامل العمليات التي يستخدمها الطفل في تفاعله مع متغيرات البيئة وعناصرها. ويعدها بياجيه حالة عامة للنشاط الذهني، ويركز بياجيه على الجانب الفطري في هذا العامل، مفترضاً أن هذا العامل يكاد يكون مستقراً نسبياً، فلا يتمحور، ولكن يتطور ويتسع وتزداد كفايته ووظيفته.



    والوظائف الذهنية موجودة لكل طفل طبيعي، سواء استخدمها الطفل في معالجات متغيرات البيئة أو عناصرها أو مواقفها أو لم يستخدمها. ويعتبر بياجيه أن الوظائف الذهنية هي امتدادات بيولوجية فطرية ضرورية للنمو والتطور المعرفي، حيث تعمل هذه القدرة على جعل الأبنية قابلة للتطور والتعدد والتغير، لكي تصبح أكثر إسهاماً في فهم العالم المحيط به. وتشكل الوظيفة الذهنية بالنسبة للذهن "محرك السيارة "، فالمحرك موجود سواء تمّ استخدامه أم لم يتم استخدامه، ولكن فعالية المحرك وتنشيط وظائفه ترتبط بمدى استخدام صاحبه له، وهكذا الوظيفة الذهنية؛ لأن استخدامات هذه الوظائف وتعددها تحدد طبيعة عمليات الذهن لدى الطفل (قطامي وقطامي، 2000).ويتمثل الفارق بين الأبنية المعرفية وبين الوظائف الذهنية في أن الأبنية المعرفية هي الخصائص المميزة للذكاء، وأنها هي التي تتغير مع العمر نتيجة تفاعل الفرد مع بيئته. أما البنى الذهنية، فكما تحدثنا سابقاً بأنها امتدادات فطرية بيولوجية موجودة في كل إنسان (قطامي وقطامي، 2000).



    وبذلك يعد  النمو المعرفي في نظر بياجيه: على أنه عبارة عن سلسلة من عمليات اختلال التوازن واستعادة التوازن أثناء التفاعل مع البيئة، وذلك باستخدام عمليتي التمثيل والمواءمة بصورة متكاملة. ويحدث الانتقال من مرحلة نمائية عقلية إلى المرحلة التي تليها بصورة تدريجية نامية، ومنظمة في نسق هرمي تشكل المرحلة الحس حركية قاعدته ومرحلة العمليات المجردة قمته.



    وبناء على ما سبق  فإن البنى العقلية للطفلSchema) ) تتغير وتتطور بفعل عامل الخبرة وكنتاج له، ويقترب الطفل من النضج من خلال مروره بالمراحل النمائية العقلية الأربع التي حددها بياجيه.  ومن هنا نجد أن بياجيه يعرف الذكاء على أنه: نوع من التوازن تسعى إليه كل التراكيب العقلية، أي تحقيق التوازن بين العمليات العقلية والظروف البيئية المحيطة بالإنسان. فالذكاء بناء على ذلك كله يشتمل على التوازن بين الفرد ومحيطه، وعلى النشاط العقلي الذي يقوم به الشخص. وهذا الذكاء ينمو تدريجياً بمراحل أربع يمكن تمييزها، ويمكن تمثيل التفاعلات التي يمر بها الطفل بهدف الوصول إلى حالة التوازن المعرفي( أبو رياش، 2007)

ديوي ونظرية التعلم:

    دعا ديوي إلى جعل البيئة التعلمية بيئة نشطة وغنية بالمصادر؛ ليتسنى للطلبة ممارسة ما يتعلموه. وانتقد أسلوب التلقين المتبع في المدارس  ونادى بأهمية الخبرة في التعليم، وأنكر الاعتماد الكلي على الكتاب المدرسي والمعلم، كما هاجم النظام التعليمي الصارم المبني على الطاعة التامة للقرارات الإدارية.



    كما طالب بضرورة جعل المدرسة بيئة ثرية بالخبرات، وحافلة بحركة المتعلمين من أجل تكوين عقلية علمية تستطيع حل المشكلات بأسلوب منهجي. ومن القواعد التي دعا  ديوي إليها الآتي:
  • المتعلم محور العملية التعليمية: يحتاج المتعلم إلى الخبرات الحياتية للتعلم، فإنَّ تعلم السباحة مثلا لا يمكن أن يتحقق من دون أن يمارس المتعلم عملية السباحة داخل الماء، وكذلك شأن سائر المهارات العقلية والاجتماعية.
  • ربط المدرسة بالمجتمع: يفضل أن يخدم التعليم الأغراض الحياتية والاجتماعية، والأهداف الواقعية التي تنفع الفرد والمجتمع الديمقراطي.

تطبيقات تربوية وفق أراء ديوي:

    ينطلق ديوي برؤيته من أهمية الخبرات المختلفة والمتنوعة على تعلم الفرد، ويترتب على الرؤية الفلسفية لديوي جملة من التطبيقات التربوية منها:



    أولا: تفاعل المتعلم مع البيئة المحيطة به، والمجتمع الذي يعيش فيه:

    يحتاج المتعلم إلى تنمية مهاراته العقلية والعملية دائماً؛  ليقوم بحل المشكلات وفق أسس علمية، واستناداً لهذه الرؤية فإن العلوم النظرية وتشعيباتها الكثيرة ليست ذات أهمية في المنهاج التعليمي طالما أنها لا تخدم المتعلم في تصريف شؤون حياته.



    ثانيا: أسلوب المحاضرة من الطرائق القاصرة في التعليم:

    دعا ديوي إلى عدم التركيز على طريقة المحاضرة في التدريس؛ لأنها لا تتيح الفرصة للمتعلم كي يستكشف الواقع، ويجمع المعلومات، ويقيس الأمور، ويبحث عن الحلول. وبذلك فإن أسلوب حل المشكلات القائم على حرية المتعلم أكثر إيجابية وخير من الدروس التقليدية القائمة على محاضرات المعلم التلقينية.



    ثالثا: التعلم بطريقة المشروع: Project Method

      يتم دمج مواضيع دراسية معا بشكل تكاملي, كأن يذهب المتعلمون إلى مزرعة وفيها يتعلمون كيفية الزراعة، ويستمعون إلى تاريخ الزراعة في تلك المنطقة، ويتعاون كل فرد من المجموعة بعمل جزء من المشروع.



    كما يقوم الطالب أثناء تنفيذ المشروع بجمع البيانات المطلوبة من المكتبة أو مقابلة المختصين، ومن أهم سمات طريقة المشروع أن المتعلم عادة يتفاعل مع ما ينجزه في المشروع؛  لأنه قد يكون شارك في اختيار الموضوع. كما تشبع طريقة المشروع حاجة المتعلم النفسية لأنها تراعي الفروق الفردية، وتدفعه إلى التعلم الجماعي، وتحرره من قيود الكتاب المدرسي ( أبو رياش،2007).



    لم يوضح ديوي تفاصيل طريقة المشروع في التدريس ولكن تلميذه كلباترك قام بوضع التفاصيل. ومن أهم خطوات طريقة المشروع الآتي:

وجود الغرض.
رسم الخطة.
تنفيذ الخطة.
تقويم الخطة.

    رابعا: مشاركة الطلبة في إبداء الرأي وصنع القرار:

    يرى ديوي أن الديمقراطية في الحقل التربوي تعني ممارسات اجتماعية تؤكد قيمة الفرد وكرامته، وتجسد شخصيته الإنسانية، وتقوم على أساس مشاركة أعضاء الأسرة والجماعات في إدارة شؤونها ديمقراطياً ( أبو رياش،2007).

مبادئ النظرية البنائية:

     يلخص هونيبين (Honebein, 1996) خصائص البيئة البنائية للتعلم بالآتي:
  • تعطي اعتبار للخبرة في عملية بناء المعرفة الجديدة لدى الطلبة.
  • تسمح بتعدد وجهات النظر.
  • تربط التعلم بالواقع.
  • تشجع الطلبة على احترام رأيهم ورأي الآخرين في عملية التعلم.
  • تشجع على دمج التعلم بالحياة الاجتماعية للطلبة.
  • تشجع المناقشات الحرة بين الطلبة.
  • تدعم درجة الإدراك الذاتي لعملية بناء المعرفة. كما يلخص ياجر (Yager, 1991) مواصفات المعلم البنائي بالآتي:
  • يُعد أحد مصادر المعلومات للطلبة، وليس المصدر الوحيد.
  • يضع الطلبة في مواقف تتحدى المعرفة السابقة لهم.
  • يعطي الطلبة الوقت الكافي للتفكير بعد طرح الأسئلة، ويسمح لإستجابات الطلبة بأن تقود الدرس.
  • يطرح الأسئلة ذات النهاية المفتوحة (كيف؟ لماذا؟)، ويتيح للطلبة الفرصة للمناقشة فيما بينهم.
  • يتقبل استجابات الطلبة الفورية، ويتقبل الخروج عن النظام في سبيل ذلك.
  • يستعين بوسائل تعليمية مستمدة من البيئة المحيطة بالطلبة.
  • يركز على الفهم الدقيق لدى الطلبة. كما أن النظرية البنائية تهتم بفاعلية المتعلم أثناء تعلمه، وتركز على نشاطه الذاتي في سبيل اكتسابه مهارات عقلية وعملية ( حركية)، وهذا أساس رئيسي تستند إليه هذه النظرية، وترتكز النظرية البنائية على محاور منها:
  • تهتم بالعمليات المعرفية الداخلية للمتعلم .
  • تركز على أن المتعلم هو العنصر الفعال.
  • تركز على مهارات التفكير.
  • تعتبر المتعلم محور العملية التعلمية التعليمية.
  • تعتبر المعلم ميسر ومسهل الموقف الصفي.
  • تبنى المعرفة الجديدة على معرفة سابقة.
  • تحتاج الخبرات الجديدة إلى ربطها بخبرات أخرى لدى الفرد.
  • تحتاج الخبرات الجديدة إلى تطبيقها في مواقف عملية وواقعية.
  • توضح البنائية كيفية اكتساب المعرفة.
  • تعد عملية التعلم عملية نشطة تقوم على استخدام المتعلم لخبرات حسية لبناء المعنى.
  • يتعلم الأفراد كيف يتعلمون أثناء عملية التعلم على بناء المعنى.
  • يحدث بناء المعنى داخل الدماغ وهو نشاط عقلي، وبذلك تعد الخبرات المحسوسة ضرورية للتعلم وخاصة عند الأطفال.
  • تؤثر اللغة على التعلم ( اللغة والتعلم متداخلتان).
  • يعد التعلم نشاط اجتماعي حيث يرتبط تعلم الفرد بما يحيطه من أفراد( الإصدقاء، الأسرة، المعلمون…).
  • يقوم التعلم ذو المعنى على ربط المعرفة الجديدة بالمعرفة السابقة.
  • يحتاج التعلم إلى الوقت لتأمل المعنى، وتطبيقه في مواقف جديدة.
  • يحتاج التعلم إلى الأسئلة التبريرية ( لماذا…؟ كيف تبرر…؟ ما الأسباب من وجهة نظرك؟…) ( أبو رياش، 2007). وتعتمد النظرية البنائية في أساسها على الاهتمام باستراتيجيات تنمية التفكير لدى الفرد، وكيف يصبح الفرد قادرا على التفكير فيما يفكر فيه أو قادرا على التفكير بشكل مفتوح في القضايا والمشكلات المطروحة. لذا جاء مفهوم ما وراء المعرفة (Metacognition) ؛ ليتناول التفكير في التفكير، ووضع استراتيجيات تتناول هذا المفهوم وفق المنظور البنائي.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *