أفكار بياجيه

أفكار بياجيه

في التعلم والتعليم (Piaget Theory )

د. غسان يوسف قطيط

المرجع: الاستقصاء 2011 / دار وائل للنشر والتوزيع: عمان

            يشكل التطور المعرفي أساساً مهماً لفهم تطور الفهم لدى الطلبة، وكيف تتطور المعرفة لديهم، ويستند هذا الأساس إلى الافتراض الآتي:

” إن التطور المعرفي هو تطور التفكير، وتطور الاستراتيجيات، وتطور للمعالجات العقلية، وهناك افتراض آخر مفاده أن التفكير، والعمليات المعرفية هي أداءات معرفية تنمو وتتطور مع العمر ( قطامي، 2000).

            ويشير بياجيه إلى أن التطور المعرفي للفرد يرتبط بالعديد من المتغيرات والقضايا منها:
  • التطور المعرفي هو: نتيجة طبيعية لتفاعل الفرد مع البيئة التي يعيش فيها، لأن الطفل لا يكتسب من خلال هذا التفاعل الخبرات المباشرة الناتجة منه فحسب، بل يتعلّم كيف يتعامل مع البيئة.
  • التطور المعرفي ليس تطوراً كمياً في المقام الأول، بل هو تطور كيفي لأساليب التفكير ووسائله، وهذا التطور يخضع لتتابع متدرج في مراحل معينة، وقد اقترح لها بياجيه فئات أعمار تقريبية.
  • المقدرات التعليمية العقلية Cognitive Capabilities التي تنقل الطالب من مرحلة نمائية إلى المرحاة التي تليها عن طريق النماء، من خلال سعيه لتحقيق التوازن بين ما يدرك ويعرف ويفهم من ناحية، وبين ما يشاهد من ظواهر وخبرات أو يصادف من مشكلات من ناحية أخرى (Woolfolk,2001). وقد استطاع بياجيه أن يوضح أربعة عوامل أساسية تتفاعل معا لتؤثر على التفكير, وهي:

أولا: النضج البيولوجي: ( Biological Maturation )

      يؤثر نمو الجهاز العصبي المركزي والدماغ والتناسق الحركي في النمو المعرفي،  فالطفل الغير قادر على التنسيق الحركي إلى حد معين لن يتمكن من المشي، وإذا كانت قدرات الطفل في اكتشاف بيئته محدودة فإنه لن يتعلم الكثير عنها. ورغم أن النضج يعتبر عاملاً مهماً في النمو العقلي،غير أنه لا يفسره بشكل كاف، ولو كان النضج كافياً لتفسير ذلك، فإن الدور الذي يمكن أن يلعبه المعلمون في هذا النمو سيكون دوراً هامشياً محدوداً. فكلما تقدم النمو اتسعت مظاهره وأبعاده وبشكل خاص العمليات الذهنية الإدراكية المعرفية والعمليات الحركية التي تدعم العمليات الذهنية.

ثانيا: التفاعل مع الخبرة المادية: Physical experience

    يؤدي تفاعل الطفل مع بيئته المادية إلى زيادة نسبة النمو المعرفي لديه؛ لأن ملاحظة الأشياء والتحكم فيها يساعد في تداخل عمليات تفكير أكثر تعقيداً. فالخبرات الحسية تزيد من كفاءة الطفل الذهنية، فالطفل يستطيع تحصيل المعرفة الحسية، وتعرّف خصائصها، وتوصيفها عن طريق معالجة الأشياء.
  • ثالثا: التفاعل مع البيئة الاجتماعية: Social Interaction يشير التفاعل الاجتماعي إلى أثر الرفاق والأقران في النمو المعرفي. فكلما زاد عدد الأفراد الذين يتعامل معهم الطفل مثل: الوالدين، والرفاق، والأخوة، والمعلمين، يزداد عدد وجهات النظر التي يستمع إليها، وسيتيح له ذلك الفرصة للتفاعل مع وجهات النظر المختلفة، والتفكير فيها، وستزوده هذه التفاعلات بمصدر مهم من: الخبرات، والأسماء، والأفكار وغيرها.

رابعا: الفعاليات: Activities

  يُسهم توفير الأدوات والمواد المختلفة في زيادة قدرة الطالب على التفاعل مع العالم المحيط به والتعلم منه, من خلال: الملاحظة, والاستكشاف، وترتيب المعلومات التي تتوفر امامه؛ مما يسهم في مساعدته على اكتساب مهارات مختلفة (Woolfolk,2001).

مفاهيم نظرية بياجيه:

 يتناول بياجيه في نظريته العديد من المفاهيم المرتبطة بنمو وبناء المعرفة لدى الطلبة، وسنقوم بتقديم هذه المفاهيم كالآتي:
  • الاتزان: Equilibration عملية ذات تنظيم ذاتي تهدف إلى تكييف الطفل مع البيئة. فالتوازن عملية ذهنية معرفية تتوسط عمليتين متكاملتين هما عملية التمثل والمواءمة، وتمثل حالة التكيف عمليتي التمثل والمواءمة. وحتى يتم ذلك لا بدّ من وجود توازن بين الفرد والبيئة، وتعتبر عملية التوازن المعرفي هدف التطور المعرفي .

ويعتبر بياجيه أن للتفكير وظيفتين أساسيتين هما:

أ‌- التنظيم: Organizing

                    ترتيب الأفكار والسلوكيات في نظام مترابط ومتماسك وفق تراكيب ومبان          ( صور ذهنية Schemes ) تمثل الأنظمة التي نستطيع من خلالها التفاعل مع العالم من  حولنا.

ب-التكيف Adaptation

            نزعة الفرد نحو التكيف والتآلف مع البيئة التي يعيش فيها. ويقوم التكيف على عمليتين متكاملتين هما:

أولا: التمثيل Assimilation

فهم الأشياء الجديدة عن طريق ملائمتها مع معارفنا السابقة, واستعمال الصور الذهنية ( Schemes ) التي نمتلكها من اجل فهم الأحداث من حولنا.

ثانيا: المواءمة:Accommodation

تعديل تفكير الفرد حتى يتلاءم مع المعلومات الجديدة التي لا يستطيع تفسيرها أو تصنيفها في ضوء ما يعرفه, فيضطر إلى تغيير صورة ذهنية ( Schemes) سابقة للاستجابة للموقف الجديد ( Salvin, 2000 )؛ (Woolfolk,2001).

      لذا فان النمو العقلي للفرد كما يراه بياجيه عبارة عن اختلال التوازن واستعادته أثناء التفاعل مع بيئته المحيطة من خلال استخدام عمليتي التمثيل ( Assimilation )  والمواءمة   ( Accommodation  ) بصورة متكاملة ( Brooks, 1999  ).

مراحل النمو المعرفي عند بياجيه:

  يصف بياجيه التعلم بأنه تغيرات في نظم التفكير بحيث تصبح المعرفة الجديدة جزءا من البناء المعرفي للمتعلم. وقد ميز بياجيه بين التفكير الحسي والتفكير المجرد, حيث اعتبر أن التفكير الحسي للفرد يحدث في المراحل الثلاث الأولى وهي:
  • مرحلة الحس حركية: Sensorimotor Stage تمتد هذه المرحلة من الولادة وحتى نهاية السنة الثانية من العمر, ويكون الطفل مشغولاً في اكتشاف العلاقة بين الأحاسيس والسلوك الحركي. ولهذه المرحلة أهمية كبيرة لما لها من دور بارز في التطور المعرفي في المراحل التالية، وخاصة أن هذه المرحلة تطور الصور الذهنية (السكيمات) الأولية كخطط عقلية ناتجة عن التفاعلات المعرفية التي يجريها الطفل في البيئة من حوله. ويعتمد الأطفال على حواسهم كأدوات أولية أساسية للحصول على المعرفة والخبرة.
  • مرحلة ما قبل العمليات: Preoperational Stage تمتد هذه المرحلة من السنة الثانية وحتى السنة السابعة, ويستطيع الطفل في هذه المرحلة إجراء عمليات عقلية باتجاه واحد, وتصنيف الأشياء بناء على بعد واحد, كأن يصنفها بناء على حجمها, كما يعتبر أن العالم متمركز حول ذاته.
  • مرحلة العمليات الحسية: (Concrete operational Stage ) تمتد هذه المرحلة من نهاية السنة السابعة وحتى نهاية السنة الحادية عشرة أو الثانية عشرة, ويستطيع الطفل تصنيف الأشياء وفق أبعاد مختلفة, كأن يصنفها بناء على حجمها ولونها, ويصبح قادرا على التفكير المنطقي. أما التفكير المجرد فإنه يحدث في المرحلة الأخيرة. ونشير هنا إلى أن بياجيه يعرّف العملية بأنها صورة عقلية للحظة ما أو لعمل ما ، ويستطيع الفرد استرجاعها إلى نقطة بدايتها التي يمكن دمجها مع غيرها من الأعمال. وإذا استطاع طفل هذه المرحلة أن ينظم مجموعة أشياء في سلسلة تنظيمات مختلفة فإنه ينجح في :

تنظيم الأشياء المحسوسة أو إعادة تنظيمها.
تكملة مشكلة باستخدام الرموز وباستخدام القلم والورقة.
تنظيم الأشياء بطرق مجردة أخرى.

مرحلة التفكير المجرد operational Stage ) Formal )

  تمتد هذه المرحلة من نهاية السنة الحادية عشرة أو الثانية عشرة وحتى السنة الخامسة عشرة من العمر, ويستمر استخدام التفكير المجرد إلى نهاية العمر, ويصبح الفرد قادراً على استخدام الرموز, وحل المشكلات المجردة, وفرض الفروض والحلول الممكنة للمشكلات التي تواجهه  ( Green,et al., 2002 )؛ (Woolfolk,2001).



                         ويفضل في هذه المرحلة تقديم مشكلات قائمة على عدة متغيرات ( ثلاثة أو أربعة متغيرات مثلا ), كأن نعرض أمام الطلبة حركة البندول من خلال ثلاثة متغيرات: طول الخيط, والزاوية, وكتلة الجسم, بهدف مساعدتهم على فهم وضبط العلاقة بين المتغيرات, وتنمية مهارات التفكير العليا لديهم  (2002 Boohan,et al.).

أفكار بياجيه والتدريس:

    استخدم بياجيه الأسئلة التشخيصية بهدف حفز التفكير وتنميته, لذا يفترض عدم استخدام المعلم لأسئلة تركز على قدرة المتعلم على الحفظ والتذكر, بل يستخدمها لإثارة   تفكيره، فإذا أعطى الطالب إجابة خاطئة وجب على المعلم ألا يصحح هذا الجواب مباشرة, بل يهيئ فرصاً له ليصحح جوابه بنفسه، وإذا أعطى إجابة صحيحة فإن المعلم لا يكتفي  بذلك, وإنما يسأله كيف عرفت ذلك، والتدريس يحتاج إلى بيئة غنية بالوسائل التعليمية المختلفة والأنشطة المتعددة التي تثير في المتعلم حب الاستطلاع والبحث والتقصي، كما أن تهيئة البيئة التعليمية تتطلب توفير الوقت الكافي للتعلم، وهذا يعني عدم حشو المناهج الدراسية بالحقائق والمفاهيم والمبادئ ؛ لأن بياجيه يرى أن يكيف المنهج للطفل لا أن يكيف الطفل للمنهج ( العاني، 1996 ).



  ويرى  زيتون (2000) أنه يمكن تنمية مهارات التفكير لدى الطلبة انطلاقاً من أفكار بياجيه عندما نأخذ بعين الاعتبار الآتي :
  • مراعاة مرحلة النمو العقلي للمتعلم عند تعليم المفاهيم وعمليات العلم.
  • التدريس بطرق: الاكتشاف, والاستقصاء, وحل المشكلات.
  • إعطاء الفرصة للمتعلم ليكتشف بنفسه الحقائق, والمفاهيم, والمبادئ والنظريات.
  • تشجيع المتعلم على ممارسة عمليات العلم المختلفة من خلال التجريب.
  • استخدام الوسائل التعليمية المختلفة في التدريس . أما " سند Sund " فيرى أنه يمكن تطبيق نظرية بياجيه في التدريس كما يلي:
  • طرح أسئلة توجه المتعلم للبحث والاكتشاف.
  • توفير الأدوات والمواد اللازمة لممارسة عمليات العلم المختلفة من قبل الطلبة.
  • إشراك الطلبة في أنشطة قائمة على استراتيجية حل المشكلات, وذلك بطرح مشكلات للطلبة تثير فيهم الشك والحيرة, وتدفعهم للتفكير في حلول لها.
  • التركيز على نشاط المتعلم الذاتي في عملية التعلم (Sund, 1973 ). تطبيقات تربوية وفق نظرية بياجيه: تفتح نظرية بياجيه الأبواب أمام التربويين على الاهتمام بكل من: الطالب، والمنهاج، والوسائل والأنشطة، بما يتفق وافكار النظرية، كما أن تطبيق النظرية في التربية يضع العديد من المتغيرات أمام الادارة المدرسية، والمعلم، والطالب، وعضو المناهج، ومن هذه المتغيرات الآتي:
  • بناء المنهج الدراسي ( المعرفي ) بما يتفق والمرحلة الدراسية، فلا يمكن أن ندرس الطلبة في المرحلة الأساسية مناهج ومعارف هي فوق طاقاتهم العقلية حيث يستحيل عليهم تصورها أو فهمها، بل يجب أن تكون هذه المناهج متناسبة مع هذه المرحلة. كما أن تصميم الكتب والمناهج في المرحلة الأساسية لا بد أن تقوم على الخبرات المحسوسة.
  • معرفة المعلم بخصائص التفكير لطلبة كل مرحلة، وبذلك فإن إعداد المعلم وفق نظرية بياجيه يساعده على الآتي: تقديم المادة العلمية الصحيحة.
    التعرف على المراحل العمرية لطلبته.
    التعرف على القدرات العقلية بين الطلبة والفروق الفردية فيما بينهم.
  • تنويع المعلم بطرق التدريس وفق مراحل عمر الطلبة، ففي المرحلة الأساسية يلزم استخدام المحسوسات وتجنب المجردات نظرا لما يناسب عمر الطفل وما يتناسب مع عقله ومعرفته، أما في المرحلة الثانوية نستعمل المجردات.
  • تعرُف المعلم على طبيعة تفكير الطفل في مراحل نموه المختلفة، مما يوجه انتباهه إلى الاستجابات المرتبطة بمرحلة نموه ويحدد أهدافه في ضوء السلوك المتوقع أداؤه في هذه المرحلة.
  • معرفة مراحل النمو المعرفي للطلبة تساعد مصممي المناهج على وضع مواد دراسية تتفق مع طبيعة العمليات العقلية للأطفال في المراحل التعليمية المختلفة.
  • توفر خصائص النمو المعرفي للطلبة إمكانية وضع اختبارات تقيس مستوى النمو العقلي عند الطلبة في المراحل المختلفة ( Woolfolk,2001 ).

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *